بفضل المسح المقطعي والأشعة السينية: هوية طبيب روماني تتكشف بعد 2000 عام في بومبي

في أحدث تطبيق لتقنيات التصوير الطبي على علم الآثار، تمكن فريق من منتزه بومبي الأثري من تحديد هوية أحد ضحايا ثوران بركان فيزوف عام 79 ميلادية لأول مرة بدقة، باستخدام مزيج من الأشعة المقطعية (CT scans) والأشعة السينية (X-rays) والترميم الرقمي ثلاثي الأبعاد. النتيجة: ضحية كان يعتقد أنها مجرد جثة مجهولة تبين أنه طبيب روماني كان يحمل أدواته الطبية في حقيبة صغيرة ذات قفل معقد.

ثوران فيزوف والقوالب الجصية التاريخية

ثوران جبل فيزوف قبل حوالي 2000 عام أطلق طاقة حرارية تعادل 100 ألف ضعف القنابل الذرية التي ألقيت على هيروشيما وناغازاكي، مما أدى إلى تدفق الحمم والرماد الساخن على مدينتي بومبي وهركولانيوم. معظم الضحايا ماتوا اختناقاً بالغازات السامة، بينما لقي آخرون حتفهم فوراً بسبب الحرارة الشديدة التي وصلت إلى درجات كافية لغليان الأدمغة وتفجير الجماجم. في القرن التاسع عشر، ابتكر عالم الآثار الإيطالي جوزيبي فيوريللي طريقة لصنع قوالب جصية للجثث عن طريق صب الجبس في الفراغات التي خلفتها الأنسجة الرخوة بعد تحللها. تم حفظ 104 قوالب من هذا القبيل، وهي الآن توثق لحظة الموت الجماعي.

التقنية الحديثة تكشف الأسرار المخفية

منذ نحو عشر سنوات، بدأت جهود ترميم شملت 86 من تلك القوالب، حيث استخدم الباحثون الأشعة المقطعية والأشعة السينية لفحص ما بداخلها. كشفت هذه الفحوصات عن تلاعب كبير في أشكال القوالب وفقاً للذوق الجمالي في عصر صنعها، بما في ذلك إضافة قضبان معدنية لتثبيتها وإزالة العظام قبل الصب في كثير من الأحيان. كما أظهر تحليل الحمض النووي عام 2024 لأربعة ضحايا عُثر عليهم في ما يعرف بـ”بيت السوار الذهبي” أن جميعهم كانوا ذكوراً وغير مرتبطين وراثياً، مما يتحدى الروايات السابقة التي كانت مفضلة.

الاكتشاف الجديد: حقيبة الطبيب المخفية

القصة التي نسلط عليها الضوء الآن تتعلق بأحد القوالب الجصية لـ14 ضحية عُثر عليهم في موقع يُعرف بـ”حديقة الهاربين” (Garden of the Fugitives)، والذين لقوا حتفهم عندما اجتاحهم التدفق البركاني أثناء محاولتهم الفرار عبر بوابة Nocera. في عام 1961، قام المشرف على بومبي ميديو مايوري بحفر الموقع ونشر قصة خيالية في مجلة ناشيونال جيوغرافيك عن هويات الضحايا، زعم فيها وجود تاجر وأم وطفليها وزوجين شابين وخادم يحمل حقيبة على كتفه — تبين لاحقاً أنها مجرد تشوه في الجبس.

لعقود من الزمن، ظل جسم صغير عالقاً داخل قالب آخر مهمل في المخازن دون أن يلاحظه أحد. لكن التحليل الجديد بالأشعة السينية والمسح المقطعي كشف عن حقيبة صغيرة تحتوي على أجزاء معدنية: عجلة مسننة تعمل كنظام قفل، بداخلها كيس من القماش يحوي عملات معدنية والعديد من الأدوات المعدنية التي تشبه الأدوات التي كان يستخدمها الطبيب الروماني (medicus). بناءً على هذا، خلص الفريق إلى أن هذا الرجل كان على الأرجح طبيباً يفر من بومبي حاملاً أدواته عن قرب.

لماذا يهمنا هذا الاكتشاف؟

بعيداً عن الدراما الإنسانية، يثبت هذا الكشف كيف يمكن لتقنيات التصوير الحديثة — التي تستخدم عادة في الطب — أن تحل ألغازاً أثرية عمرها قرون. لم يعد علماء الآثار مضطرين لتخمين الهويات بناءً على وضعيات الجثث أو القصص الخيالية، بل يمكنهم الآن النظر داخل القوالب دون تدميرها. كما أن هذا الاكتشاف يسلط الضوء على أهمية إعادة فحص القطع الأثرية المخزنة باستخدام أدوات جديدة، فربما تخفي حقيبة أخرى مفاجآت مماثلة.

لا تزال هناك 86 قالباً جصياً آخر تنتظر الفحص الدقيق. مع تطور تقنيات المسح ثلاثي الأبعاد وتحليل الحمض النووي القديم، من المرجح أن نشهد المزيد من إعادة كتابة تاريخ بومبي — هذه المرة بالاعتماد على الأدلة العلمية بدلاً من الخيال.

التطبيقات والروابط الرسمية

روابط مذكورة في المصدر

المصدر: Ars Technica