في مشهد قد يبدو مفارقة غريبة، تتجه أنظار عدد من الولايات الأمريكية نحو مصدر غير تقليدي للطاقة النظيفة: آبار النفط والغاز القديمة المتروكة. الفكرة ليست مجرد خيال علمي، بل هناك تشريعات ودراسات جادة تبحث في إمكانية تحويل هذه الآبار، التي كانت مصدراً للتلوث، إلى آبار حرارية أرضية (geothermal) قادرة على توليد الكهرباء أو تدفئة المباني دون انبعاثات كربونية.
لماذا آبار النفط القديمة؟ مشكلة وفرصة في آن واحد
الولايات المتحدة مليئة بآبار النفط والغاز المهجورة؛ يقدر عددها بالملايين، والكثير منها لم يعد له مالك رسمي. هذه الآبار لا تشكل فقط منظراً غير حضاري، بل تتسبب في تلويث المياه الجوفية وتسرب غاز الميثان الذي يسخن الغلاف الجوي. معالجة هذه المشكلة مكلفة للغاية؛ فسد بئر واحد قد يكلف ما بين 75,000 و150,000 دولار أو أكثر، حسب موقعه ودرجة التلوث. في ولاية أوكلاهوما وحدها، تم تحديد أكثر من 20,000 بئر مهجورة، وتقدر الهيئات التنظيمية أن سدها جميعاً سيحتاج 235 عاماً ومئات الملايين من الدولارات.
هنا تبرز الفكرة الذكية: بدلاً من إنفاق الأموال لسد هذه الآبار، لماذا لا نحولها إلى أصول منتجة للطاقة؟ الآبار محفورة أصلاً، والبيانات الجيولوجية لمناطقها متوفرة بفضل عقود من التنقيب، وهذا يختصر الكثير من التكاليف والوقت الذي تحتاجه مشاريع الطاقة الحرارية الأرضية التقليدية.
ما الذي تفعله الولايات الأمريكية؟
الحركة ليست نظرية فقط، بل هناك خطوات عملية في عدة ولايات:
- أوكلاهوما: مجلس الشيوخ ينظر في مشروع قانون (HB3173) يسمح للشركات بشراء الآبار المهجورة وتحويلها إلى طاقة حرارية أو تخزين طاقة تحت الأرض. مشروع القانون هذا مستوحى من قانون مشابه أقرته نيو مكسيكو العام الماضي لمعالجة أكثر من 2,000 بئر يتيمة.
- ألاباما: أقرت الشهر الماضي قانوناً يسمح للدولة بالموافقة على تحويل آبار النفط والغاز لاستغلال مصادر الطاقة البديلة مثل الطاقة الحرارية الأرضية.
- داكوتا الشمالية: أقرت في العام الماضي مشروع قانون يكلف مجلساً تشريعياً بدراسة جدوى استخدام الآبار غير المنتجة لتوليد طاقة حرارية أرضية.
- كولورادو: أطلقت الوكالات الحكومية دراسة تقنية لتقييم إمكانية إعادة استخدام الآبار القديمة في التطوير الحراري الأرضي واحتجاز الكربون.
التحديات التقنية: لماذا لم ينطلق القطار بعد؟
رغم الحماس، يحذر الخبراء من أن الفكرة لا تزال بعيدة عن التطبيق الواسع. تواجه عملية التحويل عقبات كبيرة:
- الحرارة المنخفضة: معظم آبار النفط والغاز تصل إلى درجات حرارة متوسطة إلى منخفضة تحت الأرض، بينما تحتاج مشاريع الطاقة الحرارية الأرضية (خاصة لتوليد الكهرباء) إلى حرارة عالية جداً. كلما زادت الحرارة، زادت الطاقة المنتجة.
- صغر حجم التدفق: آبار الوقود الأحفوري تنتج عادة كميات أقل من السوائل والغاز مقارنة بما تحتاجه الآبار الحرارية الأرضية لتدوير التوربينات أو نقل الحرارة إلى المباني.
- مخاطر التلوث: قد تحتاج العمليات الحرارية الأرضية إلى خطوات إضافية لمنع اختلاط العناصر الضارة في الخزانات الجوفية مع السوائل المستخدمة لاستخراج الحرارة.
- الجانب المالي والتنظيمي: حتى الآن، معظم الاستثمارات والخبرات في قطاع الطاقة الحرارية الأرضية تتجه نحو بناء مشاريع جديدة من الصفر، وليس تعديل الآبار القديمة التي قد تتسرب أو تكون غير مناسبة تقنياً.
هل هي مجرد فكرة أم مستقبل حقيقي؟
ما يميز هذه المبادرات هو الدعم الحزبي المزدوج في الولايات المتحدة، حيث تجذب الطاقة الحرارية الأرضية اهتمام الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، وقد بقيت بمنأى نسبياً عن سياسات عرقلة مشاريع الطاقة المتجددة. إذا نجحت التجارب والدراسات الجارية، فقد تتحول هذه الآبار الملوثة إلى أصول منتجة للطاقة النظيفة، وتحل مشكلة بيئية عمرها عقود.
لكن التطبيق الواسع لا يزال يحتاج إلى المزيد من البحث والتطوير، كما يقول علماء الجيولوجيا. الفكرة مغوية لكنها ليست جاهزة بعد. القرارات القادمة في أوكلاهوما وكولورادو ستكون حاسمة لتحديد ما إذا كانت هذه التقنية ستخرج من المختبرات إلى الحقول.
ما الذي يعنيه هذا للقارئ العربي؟
الدروس المستفادة من التجربة الأمريكية يمكن أن تنطبق على الدول العربية المنتجة للنفط، حيث تنتشر آلاف الآبار المهجورة. إذا أثبتت النماذج الأمريكية جدواها، فقد نرى مستقبلاً تحويل هذه الآبار إلى مصادر طاقة متجددة محلية، مما يقلل التلوث ويخلق فرصاً اقتصادية جديدة. لكن الأمر يحتاج إلى إرادة سياسية واستثمارات في البحث والتطوير أولاً.
التطبيقات والروابط الرسمية
- مشروع قانون أوكلاهوما (HB3173): رابط النص الكامل
- قانون نيو مكسيكو المشابه: رابط
- قانون ألاباما الأخير: رابط
- مؤسسة Well Done Foundation (تعمل على سد الآبار المهجورة): الموقع الرسمي
- دراسة كولورادو التقنية (Gradient Geothermal): رابط الخبر
خلاصة القول: الفكرة موجودة، والتشريعات تتقدم، لكن الطريق لا يزال طويلاً. تابعوا التطورات في أوكلاهوما وكولورادو، فمن هناك قد يأتي أول دليل عملي على أن ما كان ملوثاً يمكن أن يصبح نظيفاً.
روابط مذكورة في المصدر
- littered across the United States
- working to change that
- adopted a bill
- remained unscathed
- gaining momentum
- skilled workforce
- launch startups
- recent study
- hotter the resource
- have been evaluating
- awarded
المصدر: Wired