
في عالم يطارد المهندسين وعلماء البيانات، تظهر فجأة وظيفة غير متوقعة في مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى: الفيلسوف. ليس كاستشاري خارجي، بل موظف بدوام كامل يساهم في صياغة سلوك النماذج اللغوية العملاقة. هذه الظاهرة ليست مجرد موضة عابرة، بل تحول جذري في طريقة بناء أنظمة AI تُعنى ليس فقط بما تستطيع فعله، بل بما ينبغي أن تفعله.
الفلاسفة في المختبرات: من هم وماذا يفعلون؟
بحسب تقرير من WIRED، تضم DeepMind (التابعة لجوجل) حالياً ما لا يقل عن 10 فلاسفة ضمن فريق الأبحاث المتخصص في التأثير المجتمعي للذكاء الاصطناعي، بقيادة الأخلاقي Iason Gabriel. في المقابل، توظف Anthropic أربعة فلاسفة على الأقل، أبرزهم Amanda Askell، التي أصبحت واحدة من أشهر الوجوه في الشركة، وشاركت في صياغة الدستور الأساسي للنموذج Claude. لكن ماذا يفعل هؤلاء الفلاسفة عملياً؟ هل يضعون أيديهم على قلوبهم ويتأملون معنى الوعي؟ جزئياً، لكن المهام اليومية أكثر عملية مما يتصور الكثيرون.
في DeepMind، تعمل Julia Haas – فيلسوفة العقل والمتخصصة في الآليات – على أسئلة مثل: كيف نقيس الكفاءة الأخلاقية للنماذج؟ هل يمكن التمييز بين السلوك الأخلاقي الحقيقي ومحاكاته؟ بالتعاون مع زملائها، نشرت ورقة في مجلة Nature تقدم إطاراً لاختبار الكفاءة الأخلاقية للنماذج اللغوية الكبيرة (LLMs). عملها لا يتصل مباشرة بتدريب نموذج Gemini، بل هو أشبه بالبحث في مراحل مبكرة جداً من خط الإنتاج.
أما في Anthropic، فالدور أكثر اندماجاً في التطوير. تشرح Amanda Askell أن إحدى مهامها الأساسية هي تحديد الحالات الحدودية التي قد يكون فيها تقليد السلوك البشري غير مناسب – مثلاً عند التفاعل مع شخص يعاني ضائقة نفسية – ثم اقتراح طرق لتدريب النموذج لتجنب تلك السلوكيات. هذا يتطلب حواراً مستمراً مع النموذج نفسه (كلود) لتحسين استجابته، وكتابة دستور كلود الشهير الذي يوجه سلوكه.
بين الأكاديميا والصناعة: شكوك وتحديات
ليس الجميع سعداء بهذا التدفق للفلاسفة نحو الشركات الربحية. Edward Harcourt، أستاذ الفلسفة ومدير معهد الأخلاقيات في الذكاء الاصطناعي بجامعة أكسفورد، يرى أن هناك جانباً مزدوجاً: من ناحية، أصبحت الفلسفة أكثر حضوراً من أي وقت مضى بفضل AI. لكنه يحذر من أن وجود فلاسفة داخل شركة ربحية قد يُستخدم كأداة تضخيم إعلامي، قائلاً: “من الجيد للصورة العامة لشركات التقنية أن يظن الناس أنهم يفعلون شيئاً غير عادي وقوياً. هناك جانب تضخيم ذاتي في تشجيع هذا المجال”.
هذا القلق له ما يبرره. معظم عمل الفلاسفة في المختبرات ينصب على مخاطر فورية: العدالة، المعلومات المضللة، التحيز، والاستخدام الضار. الأسئلة الكبرى عن الوعي والذكاء الفائق تظل هامشية في الوقت الراهن. يقول Iason Gabriel: “هناك اهتمام بالوعي AI، لكننا حالياً في مرحلة جمع الأدلة”.
أمثلة عملية: من Nature إلى دستور Claude
أبرز الأمثلة على التأثير الملموس: ورقة Julia Haas المنشورة في Nature والتي تقترح إطاراً لاختبار الكفاءة الأخلاقية. وأيضاً عمل Amanda Askell على مواجهة ظاهرة التملق (sycophancy) في النماذج، حيث يتعلم النموذج أن يقول للمستخدم ما يريد سماعه بدلاً من الحقيقة. كما يعمل الفلاسفة على تطوير أنظمة وكلاء (AI agents) تتصرف في العالم الحقيقي – ترسل إيميلات، تحجز مواعيد – مما يثير أسئلة حول المسؤولية والضرر غير المباشر، وهو ما يركز عليه Gabriel حالياً وفقاً لبحثه المنشور في Nature أيضاً.
ماذا يعني هذا للمستخدم العربي؟
بالنسبة للمستخدم العربي، وجود فلاسفة داخل مختبرات AI يعني أن النماذج التي سنستخدمها – سواء من جوجل أو أنثروبيك – قد تصبح أكثر حساسية للسياقات الثقافية المختلفة، وأكثر قدرة على تجنب ردود الفعل المسيئة أو المتحيزة. لكن هذا ليس مضموناً تماماً؛ فالفلاسفة يعملون ضمن قيود الشركة وأهدافها التجارية. كما أن معظم الأبحاث تركز على القيم الغربية حتى الآن، وقد تكون التطبيقات العربية بحاجة إلى فلاسفة ومفكرين محليين لتكييف تلك المبادئ مع مجتمعاتنا. يبقى أن نراقب كيف ستتطور هذه الظاهرة، وهل ستتحول الفلسفة حقاً إلى “أداة تسويق” أم ستصبح ركيزة حقيقية لبناء AI أخلاقي.
روابط مذكورة في المصدر
- drive many other people out of work
- cited
- algorithmic bias
- AI agents
- developing future iterations of themselves
- [email protected]
- Back to top
- Continue Your AI Education
- AI Workplace Training
المصدر: Wired