بابا الفاتيكان يكتب عن مخاطر الذكاء الاصطناعي.. فهل استعان بالذكاء الاصطناعي نفسه؟

في سخرية لاذعة من الواقع التقني الذي نعيشه، كشفت تحليلات أن أجزاءً من الرسالة البابوية الجديدة التي تحذر من مخاطر الذكاء الاصطناعي ربما كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي نفسه. القصة ليست مجرد طرفة، بل تسلط الضوء على تحديات حقيقية تواجه كل من يريد كتابة محتوى جاد في عصر النماذج اللغوية العملاقة.

ما الذي حدث بالضبط؟

في 15 مايو 2026، أصدر البابا ليو الرابع عشر رسالته البابوية الأولى بعنوان Magnifica Humanitas، وهي وثيقة مطولة تتناول تأثير الذكاء الاصطناعي على البشرية، وتدعو إلى التمسك بـ “الإنسانية العميقة” في مواجهة الآلة. لكن المحلل Linch Zhang نشر على منتدى LessWrong تحليلاً أظهر أن فقرات معينة من الرسالة تحتوي على علامات كتابة آلية بنسبة تتراوح بين 40% و100%، وذلك وفقًا لكاشف المحتوى الاصطناعي الشهير Pangram.

التحليل لم يتوقف عند هذا الحد. شخص آخر قام بتقسيم النص بابًا بابًا وإدخاله إلى Pangram، فتبيّن أن 62% من الفصل الأول قد وُسم كمحتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي. وعندما اختبرت The Verge حوالي 2000 كلمة من الوثيقة عبر الأداة نفسها، قدرت النسبة بـ 46%.

علامات الكتابة الاصطناعية

المحلل Zhang لاحظ أن الوثيقة تحتوي على سمات معروفة في النصوص المولّدة بالذكاء الاصطناعي، مثل الاستخدام المكثف لكلمة “genuinely” (أي “بصدق”) مقارنة بالرسائل البابوية السابقة، وهي كلمة تظهر بكثرة في كتابات نموذج Claude من شركة Anthropic. لكن هذا لا يعني أن الوثيقة كلها اصطناعية؛ فقد أشار التحليل نفسه إلى أن أجزاء أخرى بدت بشرية بنسبة 0% تقريبًا.

كشف المحتوى الاصطناعي ليس دقيقًا دائمًا

من المهم التذكير أن أدوات كشف الذكاء الاصطناعي ليست معصومة عن الخطأ. حتى Pangram نفسه، رغم سمعته الجيدة بين الباحثين، أعلن في مارس 2025 أن معدل الخطأ الإيجابي الكاذب لديه (أي وسم نص بشري على أنه اصطناعي) يُقدر بحوالي 1 لكل 10,000 حالة. لذا، لا يمكن الجزم بنسبة 100% أن البابا استخدم الذكاء الاصطناعي فعليًا، بل هناك احتمال أن الأداة أخطأت أو أن النص تأثر بتوجيهات أو مراجعات آلية.

اللافت أن الأجزاء الأولى من آخر أربع رسائل بابوية، عندما اختُبرت عبر Pangram، أظهرت ثقة 100% بأنها مكتوبة بشريًا. وكذلك خطاب البابا ليو الشفوي صُنف بالكامل كبشري. وهذا يعزز فكرة أن الكاشف يعمل بشكل جيد مع النصوص البشرية النقية، لكنه يخطئ مع مزيج من البشر والآلة.

المفارقة الكبرى: التحذير من التقنية عبر التقنية

الرسالة البابوية Magnifica Humanitas هي الأولى في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية التي تركز حصريًا على الذكاء الاصطناعي وتأثيراته الواسعة. وقد قدمها البابا بصحبة Christopher Olah، المؤسس المشارك لشركة Anthropic (مطورة نموذج Claude). هذا السياق يجعل احتمال استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابتها أمرًا مثيرًا للسخرية، لكنه في الوقت نفسه يعكس واقعًا معقدًا: حتى النقاد الأكثر وعيًا بالتقنية يجدون أنفسهم يستعينون بها في عملهم اليومي.

الفاتيكان لم يرد بعد على طلب التعليق من The Verge، لكن القصة تبقى مفتوحة. هل استخدم فريق البابا الذكاء الاصطناعي كمساعد في الصياغة؟ هل كانت الأداة مجرد أخطاء عشوائية؟ الإجابات ليست حاسمة بعد، لكن ما هو مؤكد أن هذه الحادثة تقدم درسًا عمليًا حول الهشاشة في التمييز بين الإنسان والآلة، حتى في أكثر النصوص جدية وقداسة.

خلاصة عملية للقارئ العربي

إذا كنت تعمل في الكتابة أو التحرير، فهذه القصة تذكير بأن أدوات كشف الذكاء الاصطناعي ليست حكمًا مطلقًا. لا تعتمد عليها وحدها لاتخاذ قرارات مهمة (مثل قبول مقال أو رفضه). الأهم: إذا استخدمت الذكاء الاصطناعي كمساعد، فقم دائمًا بمراجعة النص وتعديله بأسلوبك الخاص، لأن العلامات اللغوية (مثل تكرار كلمات معينة) يمكن أن تُفضح بسهولة. وفي النهاية، تبقى الرسالة البابوية نفسها دعوة قوية للتفكير في حدود الاعتماد على التقنية، وهو درس يصلنا الآن بطريقة غير متوقعة.

روابط مذكورة في المصدر

المصدر: The Verge