حيتان البيلوغا قد تكون قادرة على رؤية نفسها في المرآة.. ولكن هل يعني ذلك أنها واعية؟

في عالم الأبحاث المعرفية، يُعد اختبار المرآة أحد أشهر الأدوات لتقييم الوعي الذاتي عند الحيوانات. هذا الاختبار البسيط ظاهريًا — وضع علامة على جسد الحيوان ثم مراقبة ما إذا كان يستخدم المرآة لفحصها — لم يجتازه سوى عدد محدود جدًا من الكائنات عبر التاريخ. لكن دراسة جديدة نشرت في دورية PLOS One تضيف الآن عضواً جديداً إلى هذه القائمة الحصرية: حوت البيلوغا الأبيض.

ماذا حدث بالضبط؟

قام الفريق البحثي بقيادة الباحثة ديانا ريس (Diana Reiss) من كلية هانتر في نيويورك بتحليل تسجيلات فيديوهات قديمة لحوتين من البيلوغا (يدعى ناتاشا وماريس) في حوض مائي محلي، تعود إلى ما قبل أكثر من عقدين. أثناء وجود مرآة ذات اتجاهين في الحوض، أظهرت الحيتان سلسلة من السلوكيات التي تشبه ما تفعله الحيوانات الأخرى عندما تتعرف على نفسها: تمديد العنق، الدوران، هز الرأس، ولعب فقاعات الهواء. الأهم من ذلك، بعد وضع علامة من أحمر شفاه مقاوم للماء خلف الأذن اليمنى، قامت ناتاشا بتوجيه تلك المنطقة نحو المرآة والضغط عليها مرارًا، وهو سلوك لم تظهره في حالة التحكم (عند إجراء نفس الإجراء لكن بدون حبر).

هل هذا كافٍ لاجتياز الاختبار؟

على الرغم من أن النتائج مثيرة، إلا أن العلماء حذرين. فحجم العينة صغير جدًا (حوتان فقط من أصل أربعة في التجربة الأصلية أظهرا اهتمامًا كافيًا للمتابعة). بعض السلوكيات المسجلة — مثل لعب فقاعات الهواء والتدحرج — هي أشكال معروفة من اللعب الفردي عند البيلوغا حتى بدون وجود مرآة. ومع ذلك، فإن السلوك الموجه نحو العلامة (كما فعلت ناتاشا) يُعد أقوى دليل، خاصة أن الحيتان لا تملك أطرافاً للإشارة إلى أجسادها. بالنسبة لمخترع الاختبار، عالم النفس غوردون غالوب (Gordon Gallup)، فإن اختبار المرآة الأصلي يتطلب سلوكاً واضحاً موجهًا للذات؛ وهنا تقع نتائج البيلوغا على حافة القبول.

من هم الناجحون الآخرون؟

قائمة الحيوانات التي اجتازت اختبار المرآة (بدرجات متفاوتة من الثقة) قصيرة ومثيرة للجدل، وتشمل: البشر (ابتداءً من عمر سنتين تقريباً)؛ القردة العليا مثل الشمبانزي، البونوبو، إنسان الغاب (والغوريلا بشكل مثير للجدل)؛ الفيلة الآسيوية (دراسة)؛ الدلافين قارورية الأنف (دراسة)؛ طيور العقعق (دراسة)؛ الحوت القاتل (بشكل احتمالي) (دراسة)؛ وحتى سمكة النظافة (دراسة) التي أثارت جدلاً واسعًا عندما اجتازت الاختبار عام 2019. لا كلاب، لا قطط، ولا قرود أخرى.

ما الذي يعنيه هذا حقاً؟

الجانب الأكثر إثارة للاهتمام ليس فقط نجاح البيلوغا، بل السؤال المثار حول صحة اختبار المرآة نفسه. يرى باحثون مثل عالِم الأعصاب أنيل سيث (Anil Seth) من جامعة ساسكس أن اختبار المرآة ليس اختبارًا للوعي بحد ذاته، بل اختبارًا لقدرة معينة على التعرف على الجسد أو الوجه. الحيوانات التي تفشل قد تكون ببساطة غير مهتمة بالمرآة لأنها لا تحمل أهمية في عالمها الحسي. على سبيل المثال، تم تطوير نسخة شمية من الاختبار للكلاب، والتي أظهرت نتائج إيجابية.

الأهمية العملية للقارئ العربي

بالنسبة للمتابع العربي للعلوم المعرفية، تؤكد هذه الدراسة حقيقة مهمة: قدرات الوعي الذاتي قد تكون أكثر انتشارًا في المملكة الحيوانية مما كنا نعتقد، لكن طرق قياسها تحتاج إلى إعادة نظر. كما تسلط الضوء على الحاجة إلى دراسات أكبر وأكثر تنوعًا على حيتان البيلوغا، خاصة أن الأدلة الحالية مبنية على فيديوهات قديمة وبيانات جزئية. لن يغير هذا الاكتشاف حياتنا اليومية، لكنه يذكرنا بأن الحدود بين البشر والحيوانات ليست صلبة كما تبدو.

التطبيقات والروابط الرسمية

روابط مذكورة في المصدر

المصدر: Ars Technica