لغز الثقوب السوداء 'المستحيلة': أدلة جديدة من موجات الجاذبية

تخيل أن ترصد جسماً في الفضاء لا يمكن تفسير وجوده بأي نظرية فيزيائية معروفة. هذا بالضبط ما كان يحدث مع فئة من الثقوب السوداء تُوصف بـ”المستحيلة”، لأن كتلتها تتجاوز الحد الذي تسمح به ولادة النجوم، لكنها أقل من أن تكون ثقوباً سوداء عملاقة. دراسة جديدة نُشرت في دورية Nature Astronomy تقدم أخيراً تفسيراً علمياً رصيناً لهذه الظاهرة، وتكشف عن آلية كونية لإعادة تدوير الثقوب السوداء.

المشكلة: ثقوب سوداء في منطقة محظورة

تقول الفيزياء الفلكية التقليدية إن الثقوب السوداء النجمية تنشأ عندما ينهار نجم ضخم في نهاية عمره، وتكون كتلتها بين 10 و40 ضعف كتلة الشمس. أما الثقوب السوداء فائقة الضخامة التي تسكن مراكز المجرات فتبلغ ملايين أو مليارات الكتل الشمسية، ونشأتها مرتبطة بأحداث كونية مبكرة جداً. لكن بين هذين النوعين هناك فجوة غامضة: ثقوب سوداء بكتل تتراوح بين 40 و100 كتلة شمسية. تقليدياً، لا يمكن لأي نجم أن ينتج ثقباً بهذه الكتلة عبر الموت النجمي العادي. ومع ذلك، تظهر هذه الأجسام باستمرار في أرصاد موجات الجاذبية.

الدليل من موجات الجاذبية

اعتمدت الدراسة الحديثة على تحليل سجل شامل لموجات الجاذبية التقطتها ثلاثة مراصد كبرى حول العالم، وتضمن 153 حدثاً مؤكداً لاندماج ثقوب سوداء. من بين هذه الأحداث، كان 34 منها لثقوب سوداء ثقيلة بشكل لافت. لم يقتصر الأمر على مجرد وجودها، بل كشفت الإشارات عن فارق جوهري بين الثقوب السوداء الخفيفة والثقيلة. الثقوب السوداء التي تصل كتلتها إلى حوالي 40 شمسياً كانت تدور بسرعة منخفضة ومحاذية في اتجاه واحد، كما هو متوقع للثقوب التي تولد من انهيار نجم. لكن بمجرد تجاوز كتلة 45 شمسياً، ظهرت مجموعة مختلفة تماماً: ثقوب سوداء أثقل، تدور بسرعة كبيرة وباتجاهات عشوائية ومضطربة. هذا النمط الإحصائي لا يمكن أن ينشأ إلا إذا كان الثقب الأسود قد شارك بالفعل في اندماج سابق.

تقول الباحثة إيزوبيل إم. روميرو-شو، المشاركة في الدراسة من جامعة كارديف: “هذه هي البصمة الدقيقة التي تتوقعها إذا كانت الثقوب السوداء تندمج مراراً وتكراراً داخل عناقيد نجمية كثيفة”.

ماذا يعني هذا الاكتشاف؟

ببساطة، الثقوب السوداء الأثقل في هذه الفئة ليست مولودة بل مبنية. هي نتاج أجيال سابقة من الاندماجات، تتراكم داخل العناقيد النجمية المزدحمة. كل اندماج يزيد الكتلة ويغير محور الدوران، مما يخلق هذه البصمة الفريدة. وبالتالي، فإن ما كان يبدو “مستحيلاً” من منظور تطور النجوم الفردية يصبح طبيعياً تماماً في بيئة مليئة بالنجوم الكثيفة والمتفاعلة.

من المهم التوضيح أن هذه الثقوب السوداء لم تُرصد مباشرة بالأشعة السينية أو الضوء المرئي. وجودها يستدل عليه فقط من خلال تموجات الزمكان الناتجة عن اندماجاتها. لكن هذا الدليل القوي يغير فهمنا لكيفية تطور المجرات وتوزيع المادة في الكون.

الخلاصة العملية

الدراسة المنشورة في Nature Astronomy تضيف بعداً جديداً لنظرية تطور الثقوب السوداء. لم تعد الفجوة بين الثقوب النجمية وفائقة الضخامة لغزاً محيراً، بل أصبح لدينا آلية واضحة لملئها عبر الاندماجات المتكررة. ما زال هناك حاجة لرصد المزيد من الأحداث وتطوير نماذج أكثر دقة، لكن الأدلة الحالية قوية بما يكفي للإعلان عن أن الكون يعيد تدوير ثقوبه السوداء.

للمزيد من التفاصيل، يمكن الرجوع إلى الدراسة الأصلية والبيان الصحفي الصادر عن جامعة كارديف.

التطبيقات والروابط الرسمية

روابط مذكورة في المصدر

المصدر: Wired