في زاوية نائية من غرب أفريقيا، باحثان دنماركيان يجمعان بيانات صحية منذ عقود. ما كان يُعتقد يومًا أنه مجرد بحث هامشي أصبح اليوم محور جدل عالمي بعد أن تبنته إدارة أمريكية مناهضة للقاحات. القصة لا تتعلق فقط بالعلم، بل بالسياسة والأخلاق.
من هما الباحثان؟ وما الذي اكتشفاه؟
بيتر آبي وزوجته كريستين ستابل بن يديران مشروع بانديم الصحي في بيساو، عاصمة غينيا بيساو. منذ عام 1996، جمّعا بيانات لأكثر من 100 ألف شخص. يرى الفريق أن اللقاحات الحية مثل الحصبة والسل تمنح فوائد تتجاوز الحماية من المرض نفسه، بينما اللقاحات المعطلة مثل DTP (الخناق والكزاز والسعال الديكي) قد تزيد الوفيات، خاصة بين الفتيات الصغيرات.
لماذا أثار البحث جدلاً واسعًا؟
منظمة الصحة العالمية (WHO) فحصت هذه النتائج مرارًا دون حسم. معظم الباحثين العالميين وجدوا صعوبة في تكرار النتائج، وانتقدوا منهجية آبي بأنها غير تقليدية وتحتوي على تحيز تأكيدي (confirmation bias). حتى زميلة سابقة عملت معهم 20 عامًا، الدكتورة لون غراف ستينسباله، وصفت النمط في عملهم بأنه مقلق ويخدم فرضيات مسبقة.
كيف وصل البحث إلى واشنطن؟
مع وصول روبرت كينيدي جونيور (RFK Jr.) إلى وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية (HHS)، تغير المشهد. استشهد كينيدي بورقة بحثية من 2017 لآبي لتبرير قطع 2.6 مليار دولار من دعم الولايات المتحدة لتحالف Gavi، وهو تحالف عالمي للتطعيم. وفق تقديرات Gavi، قد يؤدي هذا القطع إلى 1.2 مليون وفاة يمكن تجنبها خلال 5 سنوات في أفقر دول العالم.
الورقة المذكورة (2017) وصفت بأنها “دراسة تاريخية” وتزعم أن الفتيات اللاتي تلقين لقاح DTP أكثر عرضة للوفاة 10 مرات مقارنة بغير الملقحات. لكن الدراسة كانت صغيرة جدًا (535 فتاة فقط) وكانت الوفيات قليلة جدًا لاستخلاص مثل هذا الاستنتاج. دراسة لاحقة من نفس المجموعة عام 2022 لم تجد أي تأثير للقاح DTP على الوفيات.
دراسة جديدة مثيرة للجدل
في ديسمبر 2025، أعلنت HHS منح مشروع بانديم 1.6 مليون دولار لدراسة تأثير جرعة التهاب الكبد B عند الولادة على جهاز المناعة والأعصاب لدى الرضع. الخطة: حرمان نصف الأطفال (من أصل 14 ألفًا) من اللقاح، رغم أن اللقاح فعال بنسبة 90% في منع العدوى. المبرر: غينيا بيساو لا تعطي اللقاح بشكل روتيني بعد. لكن منظمة الصحة العالمية وخبراء الأمراض المعدية وصفوا الأمر بأنه غير أخلاقي، لأن 1 من كل 5 بالغين في البلاد يحمل فيروس التهاب الكبد B.
من المهم ملاحظة أن الدراسة متوقفة حاليًا بانتظار مراجعة أخلاقية من قبل السلطات المحلية والدولية.
ماذا يعني هذا للمستخدم العربي؟
رغم أن القصة قد تبدو بعيدة عن المستخدم العربي المباشر، إلا أنها تمس أسس سياسة التطعيم العالمية التي تنفذ في أنحاء كثيرة من العالم العربي عبر منظمات مثل Gavi وWHO. أي تغيير جذري في هذه السياسات قد يؤثر على توفر اللقاحات وجدولتها في بلداننا. كما أن الجدل حول منهجية البحث وأخلاقيات التجارب يذكرنا بأهمية الاعتماد على العلم الراسخ والمراجعة المستقلة.
الخلاصة العملية
حتى الآن، لم يُثبت البحث بقوة كافية لتغيير سياسات التطعيم العالمية. المجتمع العلمي السائد يرفض ادعاءات آبي وبن. لكن مع دعم سياسي من إدارة RFK Jr.، قد تتجه بعض القرارات عكس الإجماع العلمي. الأمر يحتاج متابعة دقيقة من المؤسسات الصحية العربية لضمان بقاء برامج التطعيم لدينا قائمة على الأدلة الموثوقة.
التطبيقات والروابط الرسمية
للتوسع في الموضوع، يمكن الاطلاع على المصادر الأصلية:
- خلفية مشروع بانديم الصحي (Bandim Health Project)
- الدراسة المثيرة للجدل من 2017 على PubMed
- تقرير Politico حول قرار قطع تمويل Gavi
- بيان منظمة الصحة العالمية حول تجربة التهاب الكبد B
روابط مذكورة في المصدر
- confidently voicing their views
- a 2023 review
- cited one of Aaby’s papers
- follow-up published by the same group
- articles
- unorthodox
- shoddy
- preconceived views
- infectious disease specialists
- has said she gave the author
- on a schedule
- a 2019 paper
المصدر: Wired